فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]؟
فالجواب: أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية؛ قيل: إن القرية المذكورة مكة، كانت بهذه الصفة التي ذكرها الله، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ يعني: بنبوة محمد ﷺ، فأصابهم الجدب والخوف من غزو النبي ﷺ إليهم.
وقيل: إنما قصد قريةً غير معينة أصابها ذلك، فضرب الله بها مثلًا لمكة (١)، وهذا أظهر؛ لأن المراد وعظ أهل مكة بما جرى لغيرهم.
والضمائر في قوله: ﴿فَكَفَرَتْ﴾ و ﴿فَأَذَاقَهَا﴾ يراد بها أهل القرية؛ بدليل قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ الإذاقة واللباس هنا مستعاران.
أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا حتى صارت كالحقيقة.
وأما اللباس فاستعير للجوع والخوف؛ لاشتمالهما على اللابس، ومباشرتهما له كمباشرة الثوب.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ إن كان المراد بالقرية مكة: فالرسول هنا: محمد ﷺ، والعذاب الذي أخذهم: القحط وغيره.
وإن كانت القرية غير معينة: فالرسول: من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، والعذاب: ما أصابهم من الهلاك.