للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأجابه بما خلاصته أن الوصف بذلك أمر اجتهادي في باب الجرح والتعديل فيختلف باعتبارات متعددة من حيث وقت حصول غلبة ظن الواصف أو عدم حصولها، أو كثرة مخالطته للموصوف أو قلتها، أو تشدده في تحقق الشروط أو تساهله، وأن كلام المزي السابق فيه تشدد، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأن كلام أبى الفتح ابن سيد الناس أسهل، ثم ذكر أن الوصف بالحافظ يتنوع، فإن أريد الوصف به في نوع معين من أنواع علوم الحديث، فذلك سهل ممكن لمن جعل فنه ذلك النوع فقط دون غيره، أما إن أريد الاتصاف بالحفظ في كافة علوم الرواية والدراية فذلك صعب، لاحتياجه إلى فراغ، وطول عمر، وانتفاء الموانع، وعليه فيحمل كلام المتقدمين والمتشددين من المتأخرين على رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمان الموصوف غيره ممن يوصف بالحفظ أيضا، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه (١).

ومن هذا يتضح أن العراقي لم يقتصر أمره على وصف غيره له باستحقاق هذا اللقب على المستوى العام في عصره، ولكنه كان يحتكم إليه في تحديد المواصفات الحديثية لمن يستحق هذا اللقب في عصره. كما يلاحظ أن جوابه السابق عن شروط هذا اللقب، فيه إشارة إلى ما يسمى في عصرنا هذا بالتخصص الدقيق داخل دائرة التخصص العام، وأن لقب «الحافظ» هذا يمكن اطلاقه باعتبار التخصص الدقيق فقط لمن برز فيه، وإن كان قاصرا عن ذلك في باقى فروع تخصص علوم السنة، وسيأتى ظهور أثر ذلك في تطبيق العراقي، وتطبيق أبرز تلاميذه عليه وعلى غيره.


(١) ينظر الجواهر والدرر ١/ ٨٢ - ٨٤ والبحر الذي زخر ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٧٠ - ٧١.

<<  <  ج: ص:  >  >>