ومن هذا يعرف أن ما ذكره الملا على قاري، بأن الحافظ هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث (١) هو بحسب عرف المتقدمين وأزمنتهم
والحافظ تقى الدين السبكي ت (٧٥٦ هـ) من أبرز شيوخ العراقي وأقدم من لقبه بالحافظ كما تقدم، وقد سأل رفيقه جمال الدين المزي عن حد الحافظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال يرجع إلى العرف، فقال له السبكي: وأين أهل العرف؟ قليل جدا قال: أقل ما يكون، أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم وأحوالهم، وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب فقلت له هذا عزيز في هذا الزمان، فذكر له أنه يمكن تحققه في وقته في الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ)(٢)
ومن هذا يفهم أن السبكي لما وصف العراقي بالحافظ كان وصفه عن معرفة الحد الاصطلاحي لذلك، ومباحثته فيه مع قرينه المزي المشهود له بالخبرة العالية في هذا الاختصاص، لكن لما كان ما قرره المزي وأقره السبكي بشأن هذا اللقب، فيه تشدد عما تقدم عن ابن سيد الناس، فإن الحافظ ابن حجر اتجه إلى شيخه العراقي في ذلك لمعرفة موقفه، فسأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان المتأخر عمن سبقاه، استحق أن يسمى حافظا، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها الحافظان المزي وابن سيد الناس لنقص الزمان أم لا؟
(١) شرح شرح النخبة له/ ٣، والتدريب ١/٣٧. (٢) ينظر تدريب الراوى ١/٣٧ والبحر الذي زخر ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ والجو اهر والدرر ١/ ٨١ والأجوبة المكية لأبي زرعة ابن العراقي/ ٦٩