٥ - أن العلم من شروط الدعوة، فلا يتصدى للدعوة إلى الله جاهل؛ لأن الجاهل إذا دعا أفسد أكثر مما أصلح. ومن الناس من يشتغل بالدعوة إلى الله بلا علم، فيسأله الناس، فيفتيهم برأيه، وقد قال النبي ﷺ:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"(٢)، وليس معنى ذلك أن يسكت طالب العلم عن بيان الحق الذي يعلمه، فمن علم مسألة فهو بها عالم، فليبلغها لغيره، ولا يتجاوزها إلى ما لا يعلم. وقد كان الأئمة ﵏ لا يفتون بما لا يعلمون، حتى إن رجلاً أتى إلى الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، من مكان بعيد، وسأله عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، وأجاب عن أربع، فقال الرجل: يا أبا عبد الله، كيف أرجع إلى قومي، قال: ارجع إليهم، وقل لهم: إني سألتُ مالكًا في أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين: لا أدري (٣)، فينبغي لطالب العلم أن يتحرى، ويتوقى أن يقول على الله بغير علم؛ لأنه موقِّع عن رب العالمين.
٦ - ضرورة العلم بالحال؛ لقوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] والبصيرة هي التمييز بين الأمور، فينبغي أن يعرف حال المخاطبين، وحال المدعوين، وحال الناس، وتقلبات الأحوال؛ ليعينه ذلك على تنزيل الدليل الشرعي على الواقع، وتكييف المسألة تكييفاً صحيحاً، فيستدل استدلالاً صحيحاً، ليحكم حكمًا صحيحًا. وهذا يحصل - بتوفيق الله - بالدربة.
٧ - وجوب التعاون بين الدعاة؛ لقوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فينبغي لأهل الطريق الواحد، والمنهج الواحد: أن يتعاونوا على البر والتقوى، وليس من لازم
(١) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (١/ ٥٢) والتذكرة الحمدونية (٢/ ٩٧). (٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم برقم (١٠٠) ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه برقم (٢٦٧٣). (٣) الشرح الكبير لابن قدامة (١١/ ٣٩١) وفي تمهيد اختلاف في عدد المسائل التي سُئل عنها، حيث قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٧٣): "عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري".