المعول، فضرب الصخرة ضربة، فأضاء نور، ثم ضرب الثانية فأضاء نور، ثم ضرب الثالثة فأضاء نور، فقال النبي ﷺ:"ضربتُ ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، فأضاء لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاء لي معها قصور الحمر، من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربتُ الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاء لي معها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها"(١). ففي هذه الشدة التي وصفها الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] والنبي ﷺ واثق بربه، وينقل هذه الثقة، واليقين إلى المؤمنين، بينما يقول المنافقون: ماذا يعدكم محمد؟ لو ذهب أحدنا يقضي حاجته، لم يأمن على نفسه، ويظنون ظن السوء. فهذا هو الفرق بين المؤمنين، والمنافقين. وهذه الفروق لا تظهر إلا في المآزق والكرب، فيتبين فيها صدق الظن من كذبه، فوصف حال المؤمنين، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وحكى قول المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
قوله-﵀:"وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم"(٢) أي: إذا جرى عليهم شيء من الأقدار صاروا يتساءلون في دواخلهم: لمَ أجرى الله علينا كذا؟ ألسنا كذا؟ وأخذوا يُدلُّون على الله بأعمالهم، ويمنون بإسلامهم، وإن لم يفوهوا بألسنتهم.
قوله:"أو فيما يفعله بغيرهم" أي: لو جرى على غيرهم بعض المصائب، قالوا:"فلان ما يستأهل"! وهذا القول استدراك على الله، لا يجوز أن يُعبّر بمثل هذا التعبير.
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٨٣ - ٨٤). (٢) بنحوه في زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٢٠٦).