للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله: "ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وأسماءه، وصفاته، وموجَب حكمته، وحمده، ووعده الصادق" هذا يدل على شرف هذا الباب؛ باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلب الإيمان أن يعرف العبد ربه، بمقتضى أسمائه وصفاته، فينبغي لنا أن نفقه هذا الباب فقهاً عميقًا، ولهذا قال في الحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" (١)، فلو كان إحصاؤها بمجرد عدها، أو اتخاذ مسابح بتسع وتسعين خرزة، وسردها، لهان الأمر، ولكانت سلعة الله رخيصة، سهلة المنال، ولكن الأمر أعظم من ذلك، فإحصاؤها يكون باستنباطها من نصوص الكتاب والسنة، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضاها. فحينئذٍ يكون ظنه بالله حسناً، ويوصله الجنة.

قوله: "ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر، وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟

فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ … وَإِلَا فَإِني لَا أِخَالُكَ نَاجِيَاً" (٢)، (٣).

نبّه ابن القيم ، ولفت نظر كل أحد إلى أن يفحص قلبه، ويستخرج خبيئته، وينظر؛ فربما وجد في قلبه آفة واعتراضاً، كأن يقول: "ما كان ينبغي كذا وكذا" أو "لو أنه كان كذا وكذا" على تفاوت بين القلوب في ذلك. فمن نجا من سوء الظن بالله فقد نجا من أمر شديد، ومزلق عظيم، وإلا فلا منجى. قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. والقلب السليم: هو السالم من كل شبهة تخالف خبر الله ورسوله، ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله، فليبشر صاحبه بالنجاة.


(١) أخرجه البخار في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار … برقم (٢٧٣٦) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها برقم (٢٦٧٧).
(٢) البيت في ديوان ذو الرمة (ص: ٣٥٠) ونسبه في نهاية الأرب في فنون الأدب (٣/ ٧٥) للفرزدق.
(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٢١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>