للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهذا الهزل والسخرية يقع بصور متعددة، والذي لا يتقي الله ﷿ يندلق لسانه، ويستزله الشيطان، عن بلال بن الحارث المزني قال النبي : "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم" (١)، وفي لفظ: "وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ﷿ ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله ﷿ بها عليه سخطه إلى يوم القيامة" فكان علقمة يقول: "كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث" (٢).

مناسبة الباب لكتاب التوحيد:

الهزل بشيء من ذكر الله، أو الرسول، أو القرآن، كفر مناقض للتوحيد.

قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ " الخطاب للنبي ، والمسؤول هم المنافقون. وقد نجم النفاق بعد غزوة بدر؛ لما أظهر الله الإسلام، واشتدت شوكة المسلمين، فصار الذين أبوا الإسلام من أهل المدينة يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومردوا على النفاق. وظلوا كذلك، حتى وفاة النبي ،، وكان النبي يعاملهم على ظواهرهم، ويكل سرائرهم إلى الله، ويغلظ عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. وقد أسرَّ النبي إلى حذيفة بن اليمان بأسماء المنافقين.

قوله: ﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: أننا لم نقصد الاستهزاء، وإنما كنا نتجاذب أطراف الحديث، ونقطع الطريق، بما يتحدث به المسافر مع صاحبه. فرد الله تعالى عليهم في تتمة الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقبيح؛ أي: ألم تجدوا مادة للهزؤ والسخرية إلا في حق الله، وآياته ورسوله؟! ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦]. وسيأتي بيان سبب نزولها.


(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان برقم (٦٤٧٨).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (١٥٨٥٢) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره".

<<  <  ج: ص:  >  >>