خلق الله تعالى لآدم وحواء، ويزعم أن أصل الأنواع كان من جسم لا يرى بالعين المجردة، تطور في مراحل النمو والارتقاء، حتى وصل إلى مرتبة القردة العليا، ثم مع تقادم الزمن تحول إلى صورة إنسان، إلى غير ذلك من التخرصات والفرضيات. وقد سماه الله ظناً وخرصاً، فقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، [يونس: ٦٦]. فهو لا يقوم على أساس من الأدلة والبراهين.
النوع الثالث: الذين أثبتوا المبدأ، وأنكروا المعاد، وهم مشركو العرب، ومن على شاكلتهم. والدليل على إثباتهم المبدأ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، والدليل على إنكارهم المعاد آيات كثيرة، منها قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أي: ليس ثم إلا هذه الدنيا التي نعيشها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت بعضنا، ويولد بعضنا، كما قال قائلهم:"أرحام تدفع، وأرض تبلع"(١)، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].
فقوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ هو موضع الشاهد، ومرادهم: أننا لا نهلك إلا بمرور الزمان، كما كانوا يقولون في الجاهلية: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، ويا خيبة الدهر، إلى غير ذلك، مما ينسبونه إلى الدهر في جاهليتهم.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: أنّ دعواهم تلك ليست مبنية على علم، ولا على دليل. قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: ليس عندهم إلا مجرد الخرص، والظن الفاسد. وكل اعتقاد فاسد فمنشأه: الظن الفاسد، والتخرص، والتهوك، وأما العلم اليقيني الثابت فهو ما كان من عند الله ﷿، أو من معصوم من أنبيائه الكرام.
وليس في مقالات بني آدم، قسم رابع ينكر المبدأ، ويثبت المعاد.