قوله:"عن ابن عباس ﵄ أنه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديث عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك" أي: حدّث ابن عباس ﵄ بحديث من أحاديث الصفات الخبرية؛ كذكر الوجه، أو اليدين، أو العينين، أو القدم، أو الساق، فانتفض هذا الرجل لما سمع هذا الحديث استنكاراً لذلك؛ لأنه تبادر إلى ذهنه التمثيل. فالعلة ليست في النص، وإنما في عقله، حيث ظن أن النص يدل على التشبيه، فانتفض استنكاراً لذلك. قوله:"ما فرق هؤلاء؟! " الفرق هو الخوف، أي: ما سبب هذه الرعدة والانتفاضة؟ وهذا استفهام استنكاري لحال هذا الرجل.
قوله:"يجدون رقة عند محكمه" أي: ليناً، وقبولاً، عند الأمور المحكمة الواضحة.
قوله:"ويهلكون عند متشابهه" أي ما يشتبه عليهم منه، كمن وصفهم الله في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. فهذا الرجل الذي انتفض، اتبع المتشابه، حيث ظن أن ذكر الصفات يقتضي التمثيل والتشبيه، والأمر ليس كذلك. وكان الواجب عليه إذا اشتبه عليه شيء، أن يرد المتشابه إلى المحكم، ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا نص محكم، فكل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو أخبر به نبيه ﷺ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يكون على وجه التمثيل. فالواجب أن نثبت إثباتاً بلا تمثيل، وننزه الله تنزيهاً بلا تعطيل، ولا نبالغ في الإثبات فنقع في التمثيل. كما ننزه الله تعالى عن النقائص، والعيوب، ومماثلة المخلوقين، ولا نبالغ في التنزيه فنقع في التعطيل، بل نتوسط، ونقبل هذه النصوص الثابتة الصحيحة، ونؤمن بما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، وننفي التمثيل والتعطيل؛ لأن الممثل يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والمؤمن الحنيف يعبد الله الحي الذي لا يموت، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لإنكار ابن عباس-﵄ على من أنكر ما يجب لله من الأسماء