تتقي الله ترخص في المتعة؟ " ومن المعلوم أنّ النبي ﷺ لما حج حجة الوداع أمر أصحابه بالتمتع، وأن يفسخوا حجهم إلى عمرة، ثم يحرموا بالحج في اليوم الثامن، وقال ﷺ متأسفاً على فوات الخير: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأحللتُ" (١)، فالذي منع النبي ﷺ من جعلها متعة أنه ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يمكنه أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، يوم النحر، فلم يكن في وسع النبي ﷺ أن يتمتع؛ ولذلك حج رسول الله ﷺ قارناً، ولكنه عزم على أصحابه المفردين، الذين لم يسوقوا الهدي، أن يفسخوا الحج إلى عمرة، ويحلوا الحل كله، فإذا كان يوم الثامن أحرموا بالحج، وأراد بذلك أن يبطل عادة أهل الجاهلية، فقد كانوا يرون أن الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فاجتهد النبي ﷺ أن يجتث هذا الاعتقاد الجاهلي، وقام بنفسه ﷺ بالاعتمار في الأشهر الحرم، فوقعت جميع عمراته في شهر ذي القعدة، وأراد أن يفعل أصحابه ما فعل، فألح عليهم بذلك.
وفي خلافة أبي بكر وعمر اجتهدا اجتهاداً فصارا ينهيان الناس عن المتعة، والسبب أنهما خافا أن يُهجَر البيت؛ لأن من أتى البيت بعمرة وحجة، ربما قال في نفسه: لا حاجة أن آتي بعمرة في أشهر العام، فيهجر البيت، ولا تحصل العمرة في أشهر السنة، فكان من اجتهادهما ﵄ أن أمرا الناس أن يحجوا مفردين. ورأى ابن عباس ﵄ أن هذا اجتهاد في مقابل النص، وأن المتعة أفضل، بل واجبة، فلما قال له عروة بن الزبير: "ألا تتقي الله! ترخص في المتعة؟ " قال له ابن عباس: "سل أمك يا عرية"! تصغير عروة، تحقيراً له، بسبب هذه المراجعة، فقال: "أما أبو بكر وعمر فلم يفعلاه" أي: كأنك خالفت سنتهما، فقال: "والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ، وتحدثون عن أبي بكر وعمر، وفي لفظ آخر عنه أنه قال: "أُراهم سيهلكون، أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﷺ، ويقولون: نهى أبو بكر
(١) أخرجه البخاري في أبواب العمرة، باب عمرة التنعيم برقم (١٧٨٥) ومسلم في الحج، باب بيان وجوه الإحرام، برقم (١٢١٦).