للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الولَاية، بفتح اللام، تعني: المودة، والنصرة، وبكسرها، تعني الإمارة. والمراد الأول. فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، كم وصف الله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وولاية الله ﷿ تكون من الله للعبد، ومن العبد للرب، فولاية العبد للرب تكون بما تقدم: بأن يحب في الله، ويبغض في الله، ويوالي في الله، ويعادي في الله. وولاية الرب للعبد تكون بمحبته إياه، ولطفه به، وإدخاله جنته، وغير ذلك مما يصنعه الله لعبده المؤمن.

والمعاداة لها صورتان:

الأولى: البغض القلبي، كما قال تعالى عن إبراهيم والذين معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

الثانية: المنابذة العملية: وتكون باللسان، وبالفعال، كالجهاد في سبيل الله ﷿.

قوله: "ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك" دلّ ذلك على أن الإيمان يتفاضل، وأن من الناس من تكثر صلاته وصومه، لكن لا يتذوق طعم الإيمان، وسر ذلك: أنه قد يُؤدي بعض الأعمال على سبيل العادة والتكرار، فهذه الأعمال القلبية من: الحب، والبغض، والموالاة، والمعاداة هي التي تذكي جذوة الإيمان، وبها يجد المرء طعمه.

قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا " من تمام كلام ابن عباس- أي: أكثر تآخي الناس وصلاتِهم. يقول ابن عباس هذا في زمانه، مع بقايا الصحابة وخيار التابعين، فكيف بمن بعدهم؟!

وقد كان الرعيل الأول يتآخون في الله؛ ومن شواهد ذلك: أنه لما وقعت غزوة بدر، أسر المسلمون عدداً من المشركين، فكان ممن أُسر حبيب بن عمير، أخو مصعب بن عمير، أسره رجل من الأنصار، فمر مصعب وكان صاحب الراية، فلما رآه أخوه حبيب فرح، ظناً أنه سيفكه من الأسر، فلما حاذاه وهو يرمقه، قال مصعب بن عمير للأنصاري: "شد يديك به، فإن أمه ذات متاع،

<<  <  ج: ص:  >  >>