للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بقايا أهل الكتاب، إلى أن بعث نبينا محمد ، يعتقدون أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه بشر، وليس فيه جزء إلهي، كما زعم النصارى، وأنه مرسل من عند الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]

قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: أنّ الله تعالى خلقه بكلمته، لا أنّه نفسه الكلمة، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فعيسى ليس (كن) وليس هو الكلمة، ولكنه خُلق بالكلمة، وهذه محنة النصارى؛ ظنوا أن عيسى هو الكلمة؛ وبالتالي فهو جزء من الله، تعالى الله عما يقولون.

قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] هي العذراء البتول الطاهرة، سليلة بيت علم ودين وفضل وحسب، وقد حكى الله تعالى قصتها في سورة آل عمران، وأنه كفلها زكريا، وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. فلها منزلة عظيمة، فقد بشرتها الملائكة أولًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢، ٤٣] وبشرتها ثانيًا، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].

ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أنّ الله تعالى أرسل جبريل بهذه الكلمة العلوية، والنفخة القدسية، إلى مريم، فنفخ فيها هذه النفخة المخلوقة، والروح المخلوق، فدخلت في فرجها، واستقرت في رحمها، أو أنه نفخ في

<<  <  ج: ص:  >  >>