للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جيبها، فدخل في فرجها، كما يكون حال النساء، ثم تكَّون هذا الخلق في رحمها، وحملت به.

وظاهر الأمر -والله أعلم- أنها حملت به، كما تحمل النساء، ومر بها ما يمر بهن؛ ولهذا اشتد كربها، وصارت تجد حرجًا، وقالت لما ظهر حملها، وداهمها المخاض: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. وفي بعض الإسرائيليات: أنها حملت حملاً سريعاً، خلاف حمل النساء (١).

قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنّ عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله. فمعنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنه صدر من الله ابتداءً، كقول الله ﷿: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فلا يدل هذا على أن ما في السماوات وما في الأرض جزء منه، تعالى الله عن ذلك، وإنما معنى (منه) أي: خلقه الله ﷿، فمنه صدر، ومنه جُعل بكلمته هذه، فلا حجة للنصارى، لكن النصارى لُبِّس عليهم قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].

فكلمة (من): ابتدائية، وليست تبعيضية، حاشا وكلا! وتعالى الله عن ذلك علوَا كبيرًا، فليس شيء منه سبحانه في أحد من خلقه، ولا شيء من خلقه فيه سبحانه.

قوله: "والجنة حق والنار حق": الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، جزاءً على إيمانهم، وحسن أعمالهم، والنار: الدار التي أعدها الله عقوبة للكافرين، جزاءً وفاقاً على كفرهم، وسوء أعمالهم.

ومعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، باقيتان، لا تفنيان؛ لأن الله تعالى قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ولما صلّى النبي بالمؤمنين صلاة الكسوف، تقدم مرة، وتأخر أخرى، وحين سألوه عن ذلك قال: "إني رأيت الجنة، أو أريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما


(١) وقد أشار ابن كثير للخلاف في مدة الحمل، والأقوال في ذلك، وقال في تفسيره (٥/ ٢٢٢): "فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن" وقال في البداية والنهاية (٢/ ٧٨): "ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر".

<<  <  ج: ص:  >  >>