ما أثبت لنفسه، على الوجه اللائق به، ولا يحل أن يقال: المراد بالغضب: إرادة الانتقام، فإن ذلك من تفسير الشيء بلازمه، وصرفه عن حقيقته، والواجب علينا أن نثبت الصفة على حقيقتها اللائقة بمن أُسندت إليه، فللمخلوق غضب يليق به، وللخالق غضب يليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وللخالق إرادة تليق به، سواءً بسواء. فغضب المخلوق: غليان دم القلب لطلب الانتقام، فينتج عنه احمرار العينين، وانتفاخ الأوداج، وتهدج الصوت، أما غضب الخالق، فلا يمكن تكييفه، ولا يلزم عليه شيء من اللوازم البشرية. ومما يدل على تعلقه بمشيئته وحكمته، قوله ﷺ في حديث الشفاعة:"إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله"(١). فهذا هو مقتضى الإيمان بالنصوص، وكل الاعتراضات التي يدعيها محرفو الصفات ادعاءات موهومة، ولهذا يقعون في التناقض، والتناقض معيار الفساد؛ فإنهم يثبتون لله سمعاً وبصراً، وهذا حق، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين، فإذا قيل لهم: كيف تثبتون لله سمعاً وبصراً، مع أن السمع والبصر من صفات المخلوقين؟ قالوا: له سمع يليق به، وبصر يليق به، فنقول لهم: كذلك له غضب يليق به، ورضًا يليق به. وهذه قاعدة مطردة في جميع الصفات.
وأفاد قوله:"اشتد غضب الله"، وما ورد آنفًا في حديث الشفاعة، على أن غضبه، سبحانه، يتفاوت شدةً، وأن شديد غضبه ينال أولئك القوم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وهم اليهود والنصارى كما سماهم النبي ﷺ في الباب السابق، فقال:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
مناسبة الحديث للباب:
مطابق للترجمة، لتضمنه وعيد من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لأنهم غلوا فيها، فاستحالت أوثاناً تعبد من دون الله.
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] برقم (٤٧١٢) ومسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (١٩٤).