للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

"قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾:

قوله: ﴿آمَنُوا﴾: أي: صدقوا بقلوبهم، ونطقوا بألسنتهم، وعملوا بجوارحهم؛ لأن الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل، فليس الإيمان قولًا فقط، ولا عملاً فقط، بل لا بد من القول والعلم معاً، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان، فيقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.

قوله: ﴿يَلْبِسُوا﴾: أي: يخلطوا؛ فاللبس: خلط الشيء بالشيء.

قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾: الظلم في اللغة: هو النقص، كما قال الله ﷿ في قصة صاحب الجنة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه هنا يراد به الشرك بالله، كما فسّره النبي فيما سيأتي.

قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: المؤمنون.

قوله: ﴿الْأَمْنُ﴾: أي: الطمأنينة والسكينة.

قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: أي: مُوفَّقُون إلى الاهتداء، وإصابة الحق وسلوكه.

ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة، فقالوا للنبي : يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي مطمئناً لهم: "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (١)، فالظلم المقصود في هذه الآية هو الظلم المفسر في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن. فالذي يقع في الشرك يحرم الأمن والاهتداء.

وتحرير الكلام في هذا المقام أن يقال: إنّ الظلم ثلاثة أنواع:

١ - الظلم العظيم: وهو الشرك بالله؛ إذ لا ظلم أعظم وأشنع منه؛ إذ هو وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهو الله، وهذا أظلم الظلم.


(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] برقم (٣٤٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>