هذه أمور استنبطها الفقهاء بالتتبع والاستقراء، ثم بوبوها ونظموها؛ لكي يكون ذلك أسهل في التصور، وأقرب إلى الإدراك والفهم.
قوله:(وما يكفره من الذنوب): (ما) هذه تحتمل أمرين: إما أن تكون موصولة، أو مصدرية، فإذا كانت موصولة، فهي بمعنى (الذي)، ويكون تقدير الكلام:"باب: فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب". وإذا كانت مصدرية، فيكون تقدير الكلام:"باب: فضل التوحيد، وتكفيره الذنوب". وكلا المعنيين حسن، والثاني أحسن.
قوله:(يكفر)، الكفْر: هو التغطية والستر؛ ولهذا سُمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي فطرته، ويحجبها عن الحق، وسماعه، ورؤيته، واتباعه، ويُسمى الفلاحون كفاراً لغةً؛ لأنهم يغطون البذور بالتراب، ولا زال في بعض البلاد من يُسمي محل الزرع (كفْر)، ويسمى الليل كافرًا، لأنه يغشى الأرض بظلمته. قال أبو عبيد:(وَأما الْكَافِر فَيُقَال وَالله أعلم: إِنَّمَا سمي كَافِرًا، لِأَنَّهُ متكفر بِهِ، كالمتكفر بِالسِّلَاحِ، وَهُوَ الَّذِي قد ألبسهُ السِّلَاح حَتَّى غطى كل شَيْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ غطى الْكفْر قلب الْكَافِر، وَلِهَذَا قيل لِليْل: كَافِر لِأَنَّهُ ألبس كل شَيْء. قَالَ لبيد يذكر الشَّمْس:
لما بيّن المصنف ﵀ في مستهل كتابه حقيقة التوحيد، وبيان معناه، وأن التوحيد يقوم على ركنين: عبادة الله، ونبذ الشرك، أتبع ذلك بهذا الباب، الذي يُبيِّن فيه فضل التوحيد، وما يُكفِّر من الذنوب، وهذا من حسن الترتيب، فإنه بعد أن بيان الحقيقة، يحسن بيان الأثر الذي يترتب على تحقيق التوحيد، فأراد المصنف ﵀ في هذا الباب أن يسوق جملة من النصوص المشوقة، التي تدل على فضل التوحيد، وأثره في تكفير الذنوب.
(١) غريب الحديث لأبي عبيد، القاسم بن سلام: (٣/ ١٣ - ١٤)