الثالثة: أول شيء غيّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم.
الشيء هو عبادة الصالحين، وسبب ذلك هو الغلو فيهم، مع إقرارهم بالنبوات.
الرابعة: قبول البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها.
البدعة: هي الإحداث في الدين، ومع ذلك تقبل، وتنطلي على الغافلين، مع أن العقل والشرع يأبيان البدعة؛ لأن البدعة استدراك على الدين، وتنقص للشريعة. فقد تمكن الشيطان من تمرير هذا الإحداث على بني آدم، بتزيينه ووسوسته.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئاً، أرادوا به خيراً، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
وهذا ملحظ مهم، وهو أن سبب ما وقعوا فيه، هو لبس الحق بالباطل، بأن دعاهم الشيطان إلى تعظيم الصالحين، وإظهار محبتهم لينشطوا على في العبادة، وهذا حق، لكنه خرج بهم إلى حد الغلو؛ وهو: إقامة الأنصاب لهم، إبقاءً لذكرهم، فآل الأمر بمن بعدهم إلى دعائهم وعبادتهم. ولولا هذا الحق الممزوج بالباطل ما قُبل منه. فمهمة الراسخين في العلم: تمييز الحق من الباطل، والمحكم من المتشابه، والتحذير من الخلط والتلبيس.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
وقد تبيّن تفسيرها بحمد الله، من كلام ابن عباس- رضي الله عنهما_. وتتمة ذلك أن نعلم: أن هذه الأصنام رجعت في قبائل العرب، مع أنها كانت في زمن نوح؛ لأنه لما جاء الطوفان طمرت، وكانت في موضع في جدة، فأتى الشيطان إلى عمرو بن لحي في منامه، وقال له: "ائت صفا جدة، تجد فيها أصناماً معدة، فأوردها تهامة ولا تهب،