للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مناسبة الحديث للباب:

مطابقة للترجمة، لما فيه من النهي عن الإطراء الذي هو مقدمات الغلو المفضي إلى التأليه. وأن النبي الذي هو أكرم بني آدم على الله ﷿ يشرف بوصفه بالعبودية، فمن زاد عن وصفه بالعبودية والرسالة فقد غلا، وأفضى به ذلك إلى الشرك، ومن أمثلة ذلك أبيات البوصيري، التي يقول فيها:

يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ

اِنْ لم يكُن في مَعَادِي آخِذَاً بِيَدِي … فَضْلاً وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ

فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَتِهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلَمَ اللوحِ وَالقَلمِ (١).

فمثل هذه الأبيات لا تزيد صاحبها قرباً من الله، ولا محبةً من رسوله، ولو سمعها النبي لأنكر عليه، كما أنكر على من قال أقل من ذلك_ كما سيأتي_ فإن في هذا منازعة لله تعالى في خالص حقه في ألوهيته، وربوبيته أيضاً، ولكن الغلو يعمي ويصم، فنسأل الله ﷿ أن يلزمنا كلمة التقوى.

فوائد الحديث:

١ - تحريم الغلو، ومجاوزة الحد في المديح.

٢ - كمال شفقة النبي ونصحه لأمته.

٣ - أن الغلو في الصالحين يفضي إلى الشرك، كما أفضى الغلو في عيسى بالنصارى إلى الشرك، فكذلك من غلا في النبي فإنه يفضي به إلى الشرك.

٤ - التحذير من التشبه باليهود، والنصارى، وسائر الكفرة، فالواجب أن يربأ المسلم بنفسه عن السير على طريقهم وتقليدهم. وأنه لمن دواعي الأسف أن نجد الآن كثيرًا من المسلمين يحاكي النصارى الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم، كإقامة حفلات الميلاد لأولاده؛ من بنين وبنات، ويُطفئ الشموع بعدد سنوات عمره، وغير ذلك، ولم يكن هذا جاريًا بين المسلمين، ولا من عادة أهل الإسلام، وإنما شاهدوه في الأفلام وقرأوه في القصص والروايات، فصاروا يحاكونه، يظنون أن هذا لا يقدح في الدين، وهو في الحقيقة يهدم الدين؛ لأن


(١) من بردة البوصيري. ينظر: ثلاثية البردة (ص: ٨١ - ٨٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>