"عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"، وهذا من تواضعه ﷺ، فإنه نهى أصحابه عن الإطراء. والمقصود ب (الإطراء): المبالغة بالمدح، والتزيد فيه، وربما كان الإطراء الذي قصده النبي ﷺ هو هذا النوع الذي قيده بقوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، ولا يعني ذلك عدم التوسع في الثناء عليه ﷺ، وذكر سيرته الشريفة، وشمائله الطاهرة، ولكن ما جاوز ذلك كان مذموماً، فالنصارى غلت في المسيح ﵇، فمنهم من اعتقد أنه الله، ومنهم من اعتقد أنه ابن الله، ومنهم من اعتقد أنه ثالث ثلاثة، ومنهم من يخلط بين ذلك كله، ويعبر بتعبيرات فلسفية غامضة؛ فيزعمون أن الله ﷾ حل في جسد المسيح، وأن المسيح هو الإله الذي يمشي بين الناس، وأنه هو الذي قُبض عليه، وعُلق على الصليب، ومات، ثم يزعمون أنه قام من قبره بعد ثلاثة أيام. تارة يتحدثون عن الله، فينقلب الحديث عن الإبن! ويختلط "الناسوت" ب"اللاهوت"، فلا يستطيعون التعبير عنه بلغة واضحة مقنعة، فلهذا كثر اختلافهم، ووصفوا بالضلال، حتى قال بعض أهل العلم: لو اجتمع عشرة من النصارى ليبحثوا قضية واحداة لخرجوا بأحد عشر قولاً، فهم "الضالون" الذين ضلوا عن سواء السبيل.
قوله: "إنما أنا عبد" أداة حصر، فقطع الطريق على كل نزعة غلو.
قوله: "فقولوا: عبد الله ورسوله" هذا من حسن التعليم والتلقين. فالأصل فيه العبودية كسائر الناس، ولكنها عبودية خاصة، فإنه أكمل الناس عبودية لله رب العالمين. وقد جمع النبي ﷺ لنفسه بين وصفين، كما جمع الله تعالى له هذين الوصفين وهما:
١ - أنه عبد: وفي وصفه بالعبودية رد على أهل الغلو الذين يرفعونه إلى مقام الألوهية.
٢ - أنه رسول: وفي وصفه بالرسالة رد على أهل الجفاء الذين يقدحون فيه ﷺ، ولا يعزروه، ولا يوقروه. فالحق وسط بين ضلالتين، وعدل بين عوجين، ووسط بين طرفين.