قوله:"في الصحيح" المراد بالصحيح هنا: صحيح البخاري.
قوله:"عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ " القائلون هم قوم نوح، ﵇، يتواصون فيما بينهم؛ يقول بعضهم لبعض: تمسكوا بما أنتم عليه، ولا تتركوا عبادة آلهتكم، وعلى وجه الخصوص هؤلاء الخمسة: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وخصوا هؤلاء الخمسة بالذكر؛ لشهرتهم، ومنزلتهم عندهم. وقد عرّفهم ابن عباس ﵄ بقوله:"هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً" أي: اعمدوا وأقيموا أنصابًا، والأنصاب: هي الأصنام المصورة، وسموها بأسمائهم. ففعلوا، وهذا إيحاء شيطاني، متلبس بالصلاح والموعظة، يستزل به الجهال، فكأنه قال: إن أنتم تركتم هؤلاء الخمسة الفضلاء، بعد موتهم، فسوف تنسونهم، وتكسلون عن العبادة، والرأي: أن تتجهوا إلى مجالسهم التي كانوا يُعلِّمون فيها العلم، ويعظون فيها الناس، وتنصبوا صوراً وتماثيل لهم، تسمونها بأسمائهم، حتى إذا رأيتموهم تذكرتم مجالسهم، ونشطتم على العبادة. هكذا كيد الشيطان، وتزيينه، وتسويله، واستزلاله للأغرار. ولو قال لهم من البداية: اعبدوهم! لرفضوا مقالته؛ إذ كانوا حديثي عهد بتوحيد، لكنه أتاهم بالتدرج؛ شيئًا فشيئًا، فاكتفى من الجيل الأول بهذا التعظيم، وقبل منهم.
قوله:"ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك" وهم الجيل الأول، الذين نصبوا الأنصاب.
قوله:"ونسي العلم" أي: اندرس؛ لأن العلم يندرس بموت العلماء العاملين، وعدم وجود من يحفظه في الصدور، لا في السطور، فقد تُوجد الكتب، ومع هذا يُهجر العلم؛ فالعبرة بالعلم المقترن بالعمل.
قوله:"عُبدت" فإن الشيطان أتى إلى من بعدهم، وأغراهم بعبادتهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، فادعوهم، وارجوهم، فلهم منزلة عند الله، فعبدوهم، وهكذا وقع الشرك.