غلو اليهود في الأعمال، وإن كان قد وقع لكلا الطائفتين غلو في الاعتقاد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] فغلوا في البشر، ورفعوهم فوق منزلتهم، وتجاوزوا بهم الحد، وشبهوهم بالخالق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
ثم إن النصارى لم يزالوا يغلون في عيسى ﵇ حتى قالوا: هو الله، أو ثالث ثلاثة، وجعلوا الإله مكوناً من ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، والروح القدس، كما أنهم غلو في الحواريين، ومن يسمونهم الرسل، كبولس، والأساقفة، وأطلقوا عليهم لقب "قديسين"، وزعموا أنه إذا اجتمع الأساقفة في "مجمع" واحد، فإنهم معصومون، وأن "الروح القدس" يوجههم. فنشأت (المجامع النصرانية) التي ابتدأت من مجمع نيقية، سنة (٣٢٥) للميلاد، وتلتها مجامع متعددة، كان آخرها المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي دام من سنة (١٩٦١ م) إلى (١٩٦٥ م). فيعتقد النصارى الكاثوليك: أنه إذا اجتمع أساقفتهم الذين على وجه الأرض في مجمع مسكوني -والمسكوني نسبة إلى الأرض المسكونة- فإن جميع قراراتهم ودساتيرهم تكتسب العصمة، بل غلا بعضهم وزعم لعصمة لبابا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وفي المقابل، فهم مفرطون في الأعمال، فلا عبادة عند النصارى، ولا التزام بالشريعة؛ لأن (بُولس) أفسد دينهم، وأقنعهم أن مجرد الإيمان بيسوع المخلص -كما يقولون- يبررهم، أي: يحصل لهم بذلك البر، ويسقط عنه الناموس أي: الشريعة، فيكون معفىً من إتباع شريعة موسى! هذا معنى "التبرر" عندهم. ويلاحظ أن النصارى ليس عندهم عبادات تُذكر، وغاية ما في الأمر أن يحضر أحدهم قدَّاساً يوم الأحد، ويستمع إلى موعظة القسيس، وبعض التراتيل، ويتناول العشاء الرباني "الأفخارستيا" من يد الكاهن، وهو كسرة خبز مغموسة بنبيذ، ثم ينصرف.
أما اليهود فقد غلوا في الاعتقاد، كما غلوا أيضاً في الأعمال، فصار عندهم تشدد في أمر الذبائح، والطهارة، وغير ذلك، حتى صار الدين كالأغلال والآصار عليهم، ولو آمنوا لسلموا ونجوا، كما قال تعالى: فنهاهم الله تعالى عن الغلو، فقال: ﴿﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ