للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مناسبة الباب لكتاب التوحيد:

لما كانت مسألة الشفاعة من المسائل التي أشكلت على أهل الإشراك، ففهموها على غير وجهها، ووقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر، احتيج إلى بيانها غاية البيان.

واستدل المصنف -رحمه الله تعالى- بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١].

قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ النذارة: هي الإعلام بأمر مخوف، وضدها: البشارة، وهي الإعلام بأمر مرجو، ودعوة المرسلين قائمة على البشارة والنذارة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥] فالرسل دوماً مبشرين ومنذرين، يبشرون بوعد الله، وينذرون من وعيده. ومرجع الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن العظيم.

قوله: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ فلا ينتفع بالنذارة إلا المؤمن باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل العبد على أن ينتفع بالمواعظ، أما من لا يؤمن بالبعث، ولا باليوم الآخر، فلا تؤثر فيه القوارع والمواعظ؛ لأنه يظن أن منتهى الأمر أن يموت، ويتحلل جسده، ويصبح تراباً، وأما من علم بأن ثّمة يوم آخر؛ يجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، فإنه تنفعه النذارة. فكأن الأمر بالنذارة، هنا، باعتبار حصول أثرها. وقوله: ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾ أي: أن يجمعوا، ويساقوا إلى ربهم،

قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ الولي: مشتق من الولْي، وهو القرب والدنو، فليس لهم من دون الله ولي يحول بينهم وبين الله ﷿.

قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ سمي الشفيع شفيعاً؛ لأن الشافع ينضم إلى المشفوع له، فصار شفعاً بعد أن كان المشفوع له وتراً.

قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] غاية هذه النذارة ونتيجتها حصول التقوى. وتقوى الله ﷿ تعني: أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله تعالى وقاية، بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وليست الوقاية أن يتخذ شفيعاً، أو ولياً يدعوه من دون الله، فهذه لا تزيده من الله إلا بعداً.

<<  <  ج: ص:  >  >>