للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

للشافع، ورضا عن المشفوع له، فما الداعي للشفاعة؟ الجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافعين؛ من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ومنزلتهم عند ربهم، بجعلهم سببًا لحصول المراد. لا كما فهمها المشركون، أنها نوع إدلاء على الله تعالى، كما عند ملوك الدنيا.

خامسًا: أنواع الشفاعة:

الشفاعة المذكورة في القرآن، نوعان:

١ - شفاعة مثبتة. وهي ما جمعت شرطي قبول الشفاعة: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فأثبت الشفاعة بشرطيها.

٢ - شفاعة منفية. وهي الشفاعة للمشركين، لتخلف شرطيها، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، أو التي توهمها المشركون لآلهتهم، كما قال قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وكقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فأبطل الله تعالى ذلك.

وكما وقع المشركون الأوائل في إشكالية الشفاعة، وقع فيها المشركون المتأخرون، فصار الذين يقصدون الأولياء والقبور، ويدعون الصالحين إذا أُنكر عليهم ذلك، قالوا: هؤلاء يشفعون لنا عند الله، فنحن ندعوهم لمقامهم ومنزلتهم، وقربهم، عند الله، فهم وسائط بيننا وبين الله، ونحن مسلمون، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وليس حالنا كحال المشركين، فيقال: لا فرق، بين ما وقع فيه الأوائل من دعاء غير الله ﷿ وما وقعتم فيه، فإن قلتم: نحن ندعو صالحين، فقد دعوا صالحين: كاللات الذي كان يلت السويق للحجاج، والملائكة هم أقرب الخلق لله ، وعيسى ، وأمه الصديقة، فكانوا يستشفعون بالصالحين، كما تفعلون، ومع ذلك أبطل الله صنيعهم، وأكفرهم بذلك، فلا فرق بين الفعلين.

وأما قولكم: نحن نشهد أن لا إله إلا الله، فيقال: إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أن لا معبود بحق إلا الله، وألا تصرف العبادة لغير الله، فإن أخللتم بذلك فقد نقضتم شهادتكم.

<<  <  ج: ص:  >  >>