للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: "أحد جبل يحبنا ونحبه" (١). فلا عجب أن تسمع السماوات، ولا عجب أن يلحقها رجفة أو رعدة، وهذا شك من الراوي. والرجفة والرعدة معناهما متقارب، أي: الاضطراب المصحوب بخوف ورعب.

قوله: "خوفاً من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا" فميز بين السماوات وأهلها، فالسماوات تعتريها رجفة أو رعدة، وأهل السماوات -وهم الملائكة الكرام- يعتريهم صعق وغشي.

قوله: "وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل" ف (أول) خبر يكون مقدم، (وجبريل) اسمها مؤخر. وحاصل ذلك: أن الملائكة الكرام يخرون مغشياً عليهم، جميعهم، بمن فيهم جبريل، إلا إن جبريل لفضله يكون أول من يرفع رأسه، وهذا فيه إثبات الرأس لجبريل.

قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة؛ كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل" أي: يقولون: "قال الحق وهو العلي الكبير". وهذا يفسر مجيء الضمير في الآية بصيغة الجمع (قالوا). فالحديث مبين لما أجمل في الآية.

قوله: "فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿" أي: إلى حيث أمر الله ﷿ من سماء، أو أرض، بما قضى؛ لأن جبريل هو الموكل بالوحي؛ ولهذا كان أشرف الملائكة وسيدهم. وسادة الملائكة ثلاثة: جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل. وسر سيادتهم أنهم موكلون بالحياة؛ فجبريل موكل بحياة القلوب، وميكائيل موكل بحياة النبات، وإسرافيل موكل بحياة الأبدان، والقلوب هي أشرف هذه الثلاثة؛ ولهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذا يدل أيضاً، على حمق اليهود، فإنهم يعدون جبريل عدوهم من الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] وإنما أبغضوه لأنه هو الذي


(١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب خرص الثمر برقم (١٤٨٢) ومسلم في الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، وفي الفضائل، باب في معجزات النبي برقم (١٣٩٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>