للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والكهنة بما تتكلم به الملائكة، والله تعالى قد أقدرهم على أن يصعدوا في طبقات الجو بهيئة لا نعلمها. فلما بعث النبي حفظت السماء؛ لكي لا يتطرق إلى الوحي أدنى تدخل، قال الله تعالى حاكياً عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩] فحفظت السماء زمن النبوة، لأجل الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه، فلم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما كانوا يصلون إليه؛ فلما شعروا بهذا، تنادوا وقالوا: وقع في الأرض حدث، فطفقوا يبحثون في الأرض، حتى وصلت طائفة منهم إلى وادي نخلة، مرجع النبي من ثقيف، وهو يقرأ القرآن، ويصلي، فعرفوا السبب، وأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩، ٣٠] فتبين للجن أن قد حصل أمر عظيم، وهو بعثة محمد ، فآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر.

وبعد وفاة النبي ، وانقطاع خبر السماء، ربما عادوا إلى ما كانوا عليه من استراق السمع؛ لأنهم عاودوا إمداد الكهنة والسحرة بما كانوا يمدونهم به، وقد حصل المقصود من حفظ الوحي، فلا مانع أن يرجع الأمر إلى ما كان عليه.

قوله: "فيكذب معها مائة كَذْبة" بفتح الكاف، وسكون الذال المعجمة، أي: يخلط الساحر، أو الكاهن، مع الكلمة السماوية مائة كذبة مزخرفة مسجوعة؛ لكي يكبرها، ويزوقها، ويجعل لها رواجاً عند الناس.

قوله: "فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا كذا: كذا وكذا؟ " أي: فيغتر الناس بهذا الحق القليل على إثبات الباطل الكثير.

قوله: "فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" أي: لتحققها، فيقبل قوله في المائة الباطلة.

مناسبة الحديث للباب:

لطيفة، دقيقة، وذلك أن هذا التأثر البليغ للملائكة الكرام العظام، من جراء سماع كلام الرب ، وما يلحقهم من الخضعان والذل والاخبات لله ﷿، دليل

<<  <  ج: ص:  >  >>