به ذرعًا، وطفق يبحث عن مخرج من تبعات هذا النذر، ويبحث عن من يفتيه بالتحلل منه، مع أنه كان في عافية. تجد أحدهم يقول: لله عليّ أن أذبح ناقة، ثم يبحث عن مفتٍ يفتيه بكفارة يمين، أو يفتيه بأكلها ومن يعول. وهكذا يستخرج به من البخيل.
كما أن في النذر نوع سوء ظن بالله، كأنّ هذا الذي نذر يظن أن الله تعالى لا يجيب دعوته إلا بمقابل، وأنه لا يستجيب الدعوات، ولا يقضي الحاجات إلا إذا بذل شيئاً، مع أن ربنا -سبحانه وبحمده- واسع العطاء، كما قال ﷺ"يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده"(١)، فكيف يقايض العبد ربه ويقول: إن حصل لي كذا، فعلت كذا وكذا.
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد امتدح الموفين بالنذر، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فيقال: بلى، قد امتدحهم، وهم أهل لمدحه، والجواب عن هذا الإيراد من وجهين:
الأول: أن النذر في الآية مطلق الطاعة؛ وليس النذر بالتعريف الفقهي عند الفقهاء: إلزام المكلف نفسه عبادة غير واجبة، فقد يراد بالنذر الأمر الواجب بأصل الشرع؛ كما قال ربنا ﷿: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يعني: الحجاج إذا أفاضوا من المزدلفة، ورموا جمرة العقبة، تحللوا من إحرامهم، وأزالوا عنهم التفث، أي الأذى. فالمراد ب ﴿نُذُورَهُمْ﴾: ما لزمهم من المناسك.
الثاني: أن يقال: إن الله امتدحهم على وفائهم بالنذر، الذي التزموا به، لا على إنشائهم للنذر، وفرق بين الابتداء وبين الوفاء، فابتداء النذر مكروه، وربما كان محرماً، كما قد قيل، لكن الوفاء به إذا انعقد واجب، ومن أتى واجباً فإنه يحمد على فعله.
(١) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ [هود: ٧] برقم (٤٦٨٤) ومسلم في الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (٩٩٣).