للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لعنك الله -عياذاً بالله-، وهذا قد يكون نادرً؛ لأن الفطرة تأباه، إلا من ارتكس في الرذيلة، وانتكست فطرته. والأكثر ما يقع لعن الوالدين تسبباً، كما قال : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ" (١).

قوله: "لعن الله من آوى محدثاً" آوى بمعنى: ضم، وحمى، وحوى. "محدِثاً، أو محدَثاً" بالكسر وبالفتح، وكلاهما صحيح، فإن قلنا: بالكسر (محدِثاً) فالمقصود به الجاني، أو المبتدع، كإنسان قتل نفساً ثم استجار بشخص، فآواه وحماه، فقد آوى محدثاً، وحال بينه وبين سيف السلطان. وقد يؤوي مبتدعاً داعياً إلى ضلالة، فيؤويه، ويحول بينه وبين طائلة المساءلة، والعقوبة.

وأما بالفتح "محدَثاً" فالمراد الأمر المحدث، كأن يحمي بدعة، أو ينشرها، أو يحول دون نقدها وردها، فيكون قد آوى محدثاً، أي: أمراً محدثاً. وكلاهما يستحق اللعن، سواء آوى المحدِث نفسه، أو آوى الأمر المحدث.

قوله: "لعن الله من غيّر منار الأرض" والمقصود بها المراسيم، جمع مرسام، وهي العلامات التي تفصل بين أرض وأرض، فمن الناس -والعياذ بالله- من يعدو على هذه المنارات، أو المراسيم خفيةً، وينقلها، ويزيحها، ويوسع أرضه على حساب أرض جاره، فهذا ملعون أيضاً.

فهذه أربع كلمات لعن النبي أصحابهن، والحديث رواه مسلم.

مناسبة الحديث للباب:

في قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" وقد ابتدأ بها؛ لأنها أعظمهن؛ لكونها شركاً، وما بعدها لا يبلغ مبلغ الشرك.

فوائد الحديث:

١ - أن الذبح لغير الله شرك.

٢ - تحريم لعن الوالدين، إما مباشرة، أو تسبباً.

٣ - تحريم إعانة أهل البدع والعدوان وتمكينهم؛ لقوله: "لعن الله من آوى


(١) أخرجه البخاري، في باب لا يسب الرجل والديه برقم (٥٩٧٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>