المشلل، قريباً من القديد بين مكة والمدينة، وكانت عبارة عن صنم تعبده هذيل وخزاعة، وبعض الأوس والخزرج، وكانوا يهلون للحج منها؛ قيل: إنها سميت مناة؛ لكثرة ما يمنى عندها من الدماء، أي: يراق. ووصفها بالثالثة من باب التحقير، أي: المتأخرة، الوضيعة الرتبة.
والمتأمل يجد أن هذه الألفاظ الثلاثة تأنيث لبعض أسماء الله الحسنى، إذ كان من إلحاد المشركين أن يسموا آلهتهم بأسماء لله مؤنثة:
١ - ف (اللات): مشتقة من الإله.
٢ - و (العزى): مشتقة من العزيز.
٣ - و (مناة) مشتقة من المنان،
وهذه الأصنام الثلاثة أشهر أصنام العرب، التي كانوا يعظمونها، حتى أنهم يقسمون بها، وينذرون لها، وينحرون عندها. ولديهم أصنام أخرى غيرها، كهبل، كما قال أبو سفيان يوم أحد:"اعل هبل" فقال: النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال:"قولوا: الله أعلا وأجل"(١)، وكالأصنام التي ذكرها الله تعالى في سورة نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وهذه كانت لقوم نوح، فطمرتها السيول، فنبشها عمرو بن لحي الخزاعي، وبثها في قبائل العرب، وصار لكل قبيلة في موضعها صنم، فلا يكاد يخلو حي من أحياء العرب إلا وعنده صنم يعبد. بل لقد كان في البيت الحرام ثلاثمائة وستون صنماً! ودخل النبي ﷺ عام الفتح، وصار يطعنها بالرمح، وهي تتهاوى، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١](٢). بل فعل النبي ﷺ ذلك حتى قبل الهجرة، حين أمكنه، فقد جاء في السيرة أن النبي ﷺ خرج ليلة ومعه علي بن أبي طالب، يستتران بالظلام، حتى رقيا على سطح الكعبة، وكان فوقها صنم من الأصنام، فألقياه، حتى تردى، وخرجا يستتران بالظلام (٣).
(١) دلائل النبوة للبيهقي برقم (٣/ ٢٣٠). (٢) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] برقم (٤٧٢٠). (٣) المستدرك على الصحيحين للحاكم برقم (٤٢٦٥).