للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالشرك الذي يحصل بلبس الحلقة والخيط يحتمل الأمرين:

- فإن كان صاحبه يعتقد أن الحلقة والخيط مؤثرتان بطبعهما، أي: يستقلان بالتأثير؛ فيدفعان أو يرفعان، فهذا شرك أكبر؛ لمنافاته لتوحيد الربوبية، حيث اعتقد مدبرًا غير الله.

- وإن كان يعتقد أن الحلقة والخيط سببان في حصول الأثر، ولا يستقلان بالتأثير، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد سبباً لم يجعله الله ورسوله سبباً، لا شرعاً ولا قدراً.

وذلك أن الأسباب نوعان:

١ - أسباب حسية: كالدواء، فإنه سبب في الشفاء، فإذا تعاطى الإنسان الدواء المعين للداء المعين، فإنه يكون سبباً في شفائه -بإذن الله- وهذا يُدرك بالتجربة.

٢ - أسباب شرعية: كالرقية، كما لو لُدغ، فرقى نفسه بسورة الفاتحة، فبرأ، فهذا سبب شرعي؛ لأن الدليل دلّ على أن الرقية في سورة الفاتحة تشفي اللديغ، كما في قصة الرهط من أصحاب النبي الذين رقوا سيد الحي لما لدغ (١).

والناس في مسألة الأسباب طرفان ووسط:

١ - فمن الناس من يلغي الأسباب بالكلية، وهؤلاء هم الجبرية، والأشاعرة، فيرون عدم تأثير الأسباب، وهذا قدح في الشرع، وقدح في العقل، فإنه ما من عاقل إلا ويُدرك تأثير الأسباب، فالعطشان إذا شرب الماء ارتوى، والجوعان إذا أكل الطعام شبع، والمريض إذا استعمل الدواء شفي، والمتعب إذا أوى إلى فراشه ونام، استراح، ولا ينازع في هذا إلا إنسان في عقله لوثة؛ ولهذا كان من ينكر تأثير هذه الأسباب، ويزعم أن الأثر يحصل عندها لا بها، أضحوكة للعالمين، فمن عطل الأسباب، فقد عطل العقل، وعطل النص.

٢ - ومن الناس من غلا في الأسباب، حتى اعتقدوا أن كل شيء يفسر


(١) أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب برقم (٢٢٧٦) ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار برقم (٢٢٠١).

<<  <  ج: ص:  >  >>