ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
وهي قول الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وتفسيرها في حديث عدي بن حاتم؛ لأن التحليل والتحريم حق خالص لله، فمن صرفه لغير الله فقد وقع في الشرك.
ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَهُ سَيَهْدِين﴾ [سورة الزخرف: ٢٦ - ٢٧] فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٨].
وكلام الشيخ ﵀ هنا يدل على أنه اعتبر الاستثناء متصلاً؛ لأنه قال:"فاستثنى من المعبودين ربه" أي أن القوم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولما كانت هذه الكلمة -كلمة التوحيد- ثقيلة راسخة، جعلها باقية في عقبه.
ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، [سورة البقرة: ١٦٧]، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يُدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
هذه دركات بعضها دون بعض، فبعضهم يحبون أندادهم كحب الله، أو أعظم من حب الله، وبعضهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله، وبعضهم لا يحبون الله أصلاً، فهؤلاء جميعاً داخلون في قول الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فهذا يفسر شهادة: أن لا إله إلا الله.