يشركون به أحداً سواه، ويرجون رحمته، ولا يرجون أحداً غيره، ويخافون عذابه، ولا يخافون أحداً غيره، فإذا كان هذا حالهم، فالأولى والأحرى بمن دعاهم أن يحتذي حذوهم، وينسج على منوالهم، ويدعو من دعوه، ويرجو من رجوه، ويخاف ممن خافوه.
وتبيّن من هذه الآية: أن المشركين ربما دعوا عبداً صالحاً، من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وربما دعوا أصناماً، وأوثاناً، فالمذكورون في هذه الآية من الصنف الأول.
مناسبة الآية للباب:
أن هذه الأوصاف التي وصف الله تعالى بها هؤلاء المدعوين هي حقيقة التوحيد؛ إذ أنها جمعت أمهات العبادات القلبية، وهي:(الخوف، والرجاء، والمحبة):
وهذه الثلاثة تُصوّر بصورتين:
إحداهما: جناحا الطائر: فالطائر له جسم، وله جناحان، فكأن المحبة الجسم، والجناحان هما الخوف والرجاء.
الثانية: المركبة التي تسير: فالمحبة هي المركبة التي يستقلها السائر إلى الله ﷿، والرجاء يحدوها إلى الأمام، والخوف يمنعها من الحيدة يمنة أو يسرة.
فهذه حقيقة الإيمان، فإن مداره على هذه العبادات القلبية الثلاث:
المحبة: وهي شعور يقوم في النفس يجذبه إلى ربه ومولاه، فيحس بالتعلق والانجذاب إليه ﷾، وهذه أشرف الثلاث؛ لأنها لا تنقطع لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولذا قال النبي ﷺ:"أحبوا الله من كل قلوبكم"(١).
الرجاء: فإنه يحفزه على العمل الصالح؛ لأنه يتشوف للوصول إلى جنته سبحانه، لكن الرجاء ينقطع بالوصول إلى المقصود، فإذا بلغ الإنسان مبتغاه، وهو رضوان الله وجنته، فقد تحقق مراده، وانقطع رجاؤه.