للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غيره» (١).

(ويشعر نفسه)؛ أي: يعلم نفسه أن ذلك الوضوء (تأهب)؛ أي: استعداد (وتنظف) من الذنوب والأدران وليعلم بأن الله أسبغ عليه نعمة الطهارة من الشرك باطنا، ومن الذنوب بالتوبة، وأكرمه بتطهير ظاهره من الأدران والأوساخ، كل ذلك لمناجاة ربه والوقوف بين يديه لما في حديث مسلم الطويل في فضل الوضوء الذي ذكرناه آنفا وفيه: «فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه الله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» (٢)، كل ذلك (لأداء فرائضه)؛ أي: لأجل أداء ما فرض الله عليه (والخضوع)؛ أي: ولأجل التذلل له تعالى (بالركوع والسجود) وإنما خصهما بالذكر مع أن التذلل بغيرهما أيضا، لأن بهما يقع التذلل أعني التذلل الكامل ولأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأشرف ما في الإنسان وجهه فإذا وضعه على الأرض فتلك غاية الذلة والخضوع إن كان معه قلب سليم.

(فيعمل على يقين بذلك، وتحفظ فيه) فإذا أشعر نفسه بأن الوضوء تأهب واستعداد لمناجاة ربه تمكن من قلبه الإجلال والتعظيم، فينتج له أنه يعمل الوضوء على يقين بالخضوع؛ أي: جازما بوجوب الخضوع لمولاه، وخلاصته أن الإجلال والتعظيم ينتج أنه يعمل عمل الوضوء في حال كونه على تحفظ في الوضوء عن النقص والوسوسة، وعلى يقين أن عليه أن يخضع الله تعالى بالركوع والسجود. والله در أولئك القوم الذين كانت ترتعد فرائصهم إذا باشروا الوضوء رهبة وخشية لمن يتطهرون، وبين يديه يقفون (فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه)؛ أي: لا تجري الأعمال إلا على حسب النية ولا تتكون في دائرة الوجود إلا موافقة لها وغير خارجة عن طورها وحسبك قوله : «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣).


(١) تنوير المقالة (٥٣٥/ ١).
(٢) رواه مسلم (١٩٦٧).
(٣) تقدم تخريجه.

<<  <  ج: ص:  >  >>