وقوله تعالى:{ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}؛ أي: دَعهم وما هم فيه من التَّخليط والتَّكذيبِ بالكُتب على غير معرفةٍ، فإنَّهم إنَّما يَلعبون، فيَأتيهم الجزاءُ على خوضِهم ولعبِهم، وهي كلمةُ وعيدٍ.
وقيل: هو أمرٌ بالكفِّ عن القتال إلى أنْ يُؤمَر به.
قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ ومجاهدٌ ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ والرَّبيعُ بنُ أنس: الآيةُ في اليهودِ والنَّصارى (١)، والسُّورة مكِّيَّةٌ، لكنَّ هذه الآيةَ والتي تليها مدنيَّةٌ.
قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: كان مالكُ بن الصَّيف رأسَ اليهود، وكان سمينًا، فأتى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكَّة، فقال له رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم:"أنشدُكَ اللَّهَ الذي أنزلَ التَّوراة على موسى، هل تجد فيما أنزلَ اللَّهُ تعالى أنَّ اللَّهَ تعالى يُبغِضُ الحبرَ السَّمين؟ " فقال: نعم، قال:"فأنت الحبرُ السَّمينُ، قد سَمِنتَ مِن مأكلَتِك التي يُطعِمُك اليهودُ" فضحِكَ القومُ، فغضبَ مالكٌ، ثمَّ التفتَ إلى عمر رضي اللَّه عنه، فقال: يا عمر، ما أنزلَ اللَّه على بشرٍ مِن شيءٍ، فأنزل اللَّه:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} الآية [الأنعام: ٩١]، فلمَّا رجع مالكٌ إلى قومِه، قالوا: يا ويلَك، ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنَّه أغضبَني، فلذلك قلتُ ما قلت، قالوا له: أو كلَّما غضبتَ كفرتَ، فنزعوهُ، وجعلوا مكانَه كعبَ بن الأشرف (٢).
وقال ابنُ عبَّاس رضي اللَّه عنهما في روايةٍ أخرى: إنَّ اليهودَ قالوا: يا محمد، أنزلَ اللَّهُ عليك كتابًا؟ قال:"نعم"، قالوا: واللَّهِ ما أنزل اللَّهُ تعالى مِن السَّماءِ كتابًا،
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦) عن محمد بن كعب وقتادة وابن عباس. (٢) ذكره بهذا اللفظ الزمخشري في "الكشاف" (٢/ ٤٤) دون نسبته لابن عباس. وكذا أورده أبو الليث في "تفسيره" (١/ ٥٠٠)، وليس فيه التفاته إلى عمر رضي اللَّه عنه. وأخرج نحوه الطبري في "تفسيره" (٩/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٢) (٧٥٩٧) عن سعيد بن جبير.