وقوله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} ولمَّا استوى عامَّتُهم وعلماؤهم في المعاصي ابتلاهُمُ اللَّهُ تعالى بالسِّنين، وكذلك كانت سُنته في الماضين، قال اللَّه تعالى:{فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}[النحل: ١١٢]، وقال:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ}[الأعراف: ١٣٠]، وقال في قصة نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: ١٠ - ١١]، فلم يَنتبهوا، ولم ينتهوا، لكن تَجاهلوا وتَسفَّهوا، ووَصفوا اللَّهَ تعالى بالبخلِ بمنعِ الخصبِ، وتسليطِ المحل، فقالوا:{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}؛ أي: هو بخيلٌ لا يُعطينا ما يَنفعُنا ولا يَضرُّه، والعربُ تُسمِّي البخيلَ مغلولَ اليدين؛ أي: ممسكَ اليدينِ عن العطاء، كالذي هو مغلولٌ حِسًّا، وهو كما قال اللَّه:{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ}[الإسراء: ٢٩].
وقوله تعالى:{غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}؛ أي: هم الذين قُبِضَت أيديهِم عن الإعطاء، فهم الموصوفون بكمالِ البُخل، كما قال تعالى:{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}[النساء: ٥٣].
وقيل: وهو وعيدٌ لهم بالغُلِّ في الآخرة، كما قال تعالى:{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ}[غافر: ٧١].
وقوله تعالى:{وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}؛ أي: بُعِّدوا عن الرَّحمةِ وطُردوا.
وقال الكلبيُّ: نَزلت في فِنحاص بن عازورا اليهوديِّ وأصحابِه، وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى كان بسطَ على اليهود حتَّى كانوا أكثرَ النَّاس مالًا، وأخصبَهُم ناحيةً، فلمَّا