(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث؛ فإنه قد روي مرفوعًا، كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع.
[][١].
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب، وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول: منهم من يقول: إنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاءِ يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإِباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر. والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، [فإذا كان][٢] واجبًا فواجب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو مباحًا فمباح كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرّد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.
وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم.
وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج،
[١]- ما بين المعكوفتين جاء في ز، في هذا الموضع ما نصه [قال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ﴾ الآية، الطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله ﷺ في شعاره، دل ذلك على إنه إنما أراد الجماع]. [٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "فإن".