للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعدَ عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم (٩٣٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول اللَّه ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها [١] قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها [٢] قلبك".

وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا.

وقال المسعودي: حدَّثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول اللَّه فسأله عما سألتني عنه [٣]، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول اللَّه، ، وأشار بيده: "المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" (٩٣٤).

رواه ابن مردويه وهذا أيضًا منقطع، واللَّه أعلم.

وأئا الكلام على تفسير هذه الآية، فإن اللَّه تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب، وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة اللَّه ﷿ وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق، أو [٤] المغرب برٌّ ولا طاعةٌ إن لم يكن عن أمر اللَّه وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ


(٩٣٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٥٣٩ - (١/ ٢٨٧). ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد به. ورواه الحاكم (٢/ ٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي: فقال: "كيف وهو منقطع؟! ".
(٩٣٤) - ذكره ابن كثير معلقًا عن المسعودي وقد رواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن في يد المقرئ والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لإسحاق بن راهويه في مسنده، وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن.