يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النَّار؟ وإنَّما يساقون سوقًا عنيفًا بِزَجْر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعًا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية [١] الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾، وهم في تلك الحال صُمّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا و [بُكْمًا وَصُمًّا][٢] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعًا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القُوَى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل-: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين [٣] على صحة ما دعوكم إليه، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: ﴿بَلَى﴾ أي: قد جاءونا وانذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا من الشقوة التي كُنَّا نستحقها، حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾][٤] أي: بُعدًا لهم وخسارًا.
وقوله ها هنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعَلِم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون [٥] شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا
[١]- سقط من: ز. [٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "صمًّا وبكمًا". [٣]- في ز: "والبراهان". [٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [٥]- في ز: "القول".