للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هذا تأديب آخر بعد الأول: الأمر بالظن خيرًا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة، فأولى ينبغي الظن بهم خيرًا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك -وسوسة أو خبالًا- فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن [١] رسول اللَّه قال: "إن اللَّه تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل". أخرجاه في الصحيحين (٥٣).

وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: سبحان اللَّه أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله!

ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم اللَّه متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا ﴿أَبَدًا﴾، أي: فيما يستقبل، ولهذا [٢] قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون باللَّه وشرعه، وتعظمون رسوله ، فأما من كان متصفًا بالكفر [فذاك له] [٣] حكم آخر.

ثم قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يوضح لكم الحكم [٤] الشرعية، والأحكام القدرية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)

وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ فقام بذهنه [منه شيء وتكلم به] [٥] فلا يكثر منه، ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالحد. وفي الآخرة بالعذاب ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا.


(٥٣) صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٦٩)، وصحيح مسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة، .