للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارّون بينهم. أي: يقول بعضهم لبعض: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾، أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلًا، عشرة أيام أو نحوها؛ قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾، أي: في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾، أي: العاقل الكامل فيهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾، أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [يوم المعاد، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها] [١] وساعاتها كأنها يوم واحد، ولهذا [يستقصر الكافرون] [٢] مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك دَرْء [٣] قيام الحجة عليهم، لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما [٤] كان لبثكم فيها قليلًا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني علي الدائم الباقي.

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا (١٠٨)

يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾، أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾، أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا ﴿فَيَذَرُهَا﴾، أي: الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: بساطًا [٥] واحدًا.

والقاع: هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم، ولهذا قال: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة،


[١]- سقط من ز.
[٢]- في ز: "تستقصر".
[٣]- سقط من ز.
[٤]- في ز: "بما".
[٥]- في ز: "بسطًا".