للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.

يقول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها النَّاس، من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾، بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنَّما أرسلناك نذيرًا ما [١] فمن أطاعك دخل الجنَّة ومن عصاك دخل النَّار وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وهذا لا ينافي ما في الصحيحين (١٩٠) عن رسول الله أنَّه قال: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، [فإذا دلَّ الدليل] [٢] على شيء وجب أتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًّا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وفي الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، ولا خلاف أن محمدًا [] [٣] أفصلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق.

وقوله: ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه [٤] على فضله وشرفه.

قال البُخاريّ (١٩١): حدَّثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا (٥) عبد الرَّزاق، أخبرنا (**) معمر،


(١٩٠) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٤٣ / ح ١٨٥].
(١٩١) - صحيح البخاري، ك: التفسير، كتاب: ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٤٧١٣)، ويذكره المصنف [الرعد / آية ٣١ / رقم ٩٩] من طرق أحمد عن عبد الرزاق به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح - (٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥).
"… قيل المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل المراد الزبور، وقيل: التوراة؛ وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحى إليه، وإنَّما سماه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة كالقرآن أشار إليه صاحب "المصابيح" والأول أقرب".
(*) في المطبوع: "حدَّثنا".
(**) في المطبوع: "عن".