للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذُكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري، وهي قلب المؤمن المفطور على الاٍ يمان واستمداده من الشريعة الخالصة الشافعية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله.

ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ الآية.

ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال تعالى فيهم [١]: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فقسم الكفار هاهنا الي قسمين: داعية، ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وقال بعده: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [٢] وقد قسم الله المؤمنين في أوّل [٣] الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون [٤] وهم المقرّبون، وأصحابُ يمين وهم الأبرار.

فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقرّبون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون؛ وأنّ المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين (١٦٨)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي : "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها من إذا حدّث كذب، وإذا ومحمد أخلف، وإذا ائتمن خان".

استدلوا به على أنّ الإنسان قد تكون [٥] فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي، لهذا [٦] الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض العلماء، ما تقدم وكما سيأتي، إن شاء الله تعالى.


(١٦٨) - رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: علامات النفاق برقم (٣٤) ومسلم في الإيمان برقم ١٠٦ - (٥٨) ولفظه: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا -والرابعة- وإذا خاصم فجر".