و ﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ﴾ قال ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان، ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: ولا [١] يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم [٢] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾. بهم [٣].
ثم قال ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [أي لشدته][٤] وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٦٠): ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد (١٦١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة [٥] ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: كما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تَعْرضُ لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٦٢): ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا﴾ يقول: كما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا [٦] أصاب الإِسلامَ نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد [بن أبي محمَّد][٧](١٦٣)، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير][٨]- عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون
(١٦٠) - ابن أبي حاتم (٢٠٤)، وابن جرير (٤٥٤) مطولًا. (١٦١) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يعرف. وهو عند ابن جرير (٤٥١) مطولًا، وابن أبي حاتم (٢٠٧) مختصرًا. (١٦٢) - رواه ابن جرير (٤٥٤)، وابن أبي حاتم (٢٠٩) وسنده ضعيف. (١٦٣) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يرف. وهو عند ابن أبي حاتم (٢١٢)، وابن جرير (٤٥١).