والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأوض وفساد كبير﴾ فقطع الله الموالاة بين [المؤمنين والكافرين] كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا﴾، ثم قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾، فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح، ولهذا قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد (١٣٦)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أُخبر المؤمنون [١] به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله ﷺ﵃ قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة (١٣٧)، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!.
(١٣٦) - محمد بن أبي محمد: مجهول، ورواه ابن جرير (٣٤١)، وابن أبي حاتم (١٢٤). (١٣٧) - رواه ابن جرير (٣٤٤).