قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أنّ القاضي لا يقتل بعلمه. وإن اختلفوا في سائر الأحكام.
قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما مَنَعَ رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله.
ويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين (١٢٩) وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿".
ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه [في الآخرة] جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله﴾ الآية. فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث.
ومنها: ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف [١] من شرهم مع وجوده ﵊ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون.
قال مالك: المنافق في عهد الرسول ﷺ هو الزنديق اليوم.
(قلت): وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرّر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظُهِر عليه؟ على أقوال متعدّدة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب "الأحكام".
[تنبيه]: قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان (١٣٠) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك، الذين
(١٢٩) - البخاري في كتاب الإيمان برقم (٢٥) ومسلم في الإيمان برقم ٣٦ - (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄. (١٣٠) - رواه مسلم ٩: ١١ - (٢٧٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٩٠).