للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال: نفاقًا. وهذا كالأول (١٢٧).

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: هذا مرض في الدين وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون.

والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾. قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.

وهذا الذي قاله عبد الرحمن حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم﴾.

[وقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ وقرئ: ﴿يكذبون﴾ وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة، ويكذِّبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا.

وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ وذكروا أجوبة عن ذلك؛ منها ما ثبت في الصحيحين (١٢٨) أنه قال لعمر : "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه".

ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأنّ قتله اياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرّد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه.

قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.

قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون.

ومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله عن المنافقين ليبين لأمّته أن


(١٢٧) - رواه ابن جرير (٣٢٣)، وابن أبي حاتم (١١١)، وسنده ضعيف.
(١٢٨) - رواه البيهقي (٨/ ١٩٨، ٩/ ٣٢ - ٣٣)، وفي الدلائل (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨) من طريق ابن إسحاق معضلًا، وروى نحوه البخاري (٦/ ٥٤٦، ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢ الفتح)، ومسلم ٦٣ - (٢٥٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٣٨، ٣٩٢ - ٣٩٣)، وأبو يعلى (١٨٢٤، ١٩٥٧)، وابن حبان (٥٩٩٠، ٦٥٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٢٣٩) من حديث جابر.