للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [والله يعلم إنك لرسوله] [١]﴾ أي: إنما يقولون [٢] ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في [٣] الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها. كما أكدوا قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، كما [كذبهم الله] [٤] في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾، وبقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾.

وقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾. ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وما يخدعون [٥] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾. يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾.

ومن القرّاء من قرأ: ﴿وما يخدعون [٦] إلا أنفسهم﴾ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.

قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟.

قيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سُمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهره [٧] بلسانه تقية، بما يخلص [٨] به من القتل والسبي [٩] والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره [١٠] مستبطن وذلك من فعله - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها [] [١١] حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومُزيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به، فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه [١٢] إليها محسن، كما قال تعالى:


[١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[٢]- في ز: نقول.
[٣]- زيادة من: ز، خ.
[٤]- في ز: أكذبهم.
[٥]- في ز، خ: "يخادعون".
[٦]- في ت: "يخادعون".
[٧]- في ز، خ: "أظهر".
[٨]- في ز، خ: "تخلص".
[٩]- في ز، خ: "السبا".
[١٠]- في ز: أظهر.
[١١]- في تفسير الطبري به.
[١٢]- في خ: "أن".