للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبهُ.

وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله تعالى [١] عليه وعلى آله [٢] وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعلى [٣] الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخيرُ وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر- قال: هذا أمر قد تَوَجَّه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمَّ وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد [نافق]، لأنه لم يكن أحد يهاجر مُكْرَهًا، بل يهاجر فيترك [٤] ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.

قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (١٢٣)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين [من الأوس والخزرج] [٥] أبو العالية والحسن وقتادة والسدّي.

ولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظواهر [٦] أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ أي يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى:


(١٢٣) - محمد بن أبي محمد مجهول، وهو عند ابن جرير (٣١٢)، وابن أبي حاتم (١٠٤).