[وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدَّر من الله تعالى][١].
وقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُرُّد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد. وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث (١٨٩): " ليس الخبر كالمعاينة".
ثم ظاهر السياق: أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير (١٩٠) عن قتادة في هذا قولا غريبًا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.
وقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ [٢] أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، وقال هاهنا: ﴿[قَالَ][٣] ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تشقني [٤] مَسَاقهم، ولا تخلطنى [٥] معهم، وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ لتكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇؛ [٦] كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
(١٨٩) - يأتي تخريجه برقم (١٩١) (١٩٠) - " التفسير" لابن جرير (١٣/ ١٥١٣٢) وسيذكره المصنف هنا عند قوله ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ … ﴾ (رقم ١٩٣) وقال ابن جرير: "والذى هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح، كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل؛ لأن الله - جل ثناؤه - بذلك أخبر في كتابه فقال ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.