وكان رأي القتل أفضل الآراء عندهم بمشورة من إبليس؛ لأن إبليس جاءهم بصورة شيخ نجدي، وقال لهم: انتخبوا عشرة شبان من عشر قبائل من قريش، وأعطوا كل واحد سيفًا،ثم يعمدون إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقتلونه قتلة رجل واحد، فيضيع دمه في القبائل، فلا تستطيع بنو هاشم أن تقتل واحدًا من هؤلاء الشبان،وحينئذ يلجئون إلى الدية، فتسلمون منه. فقالوا: هذا الرأي! وأجمعوا على ذلك. ولكنهم مكروا مكرًا والله تعالى يمكر خيرًا منه؛ قال الله تعالى:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[الأنفال: ٣٠] ؛ فما حصل لهم الذي يريدون، بل إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- خرج من بيته يذر التراب على رؤوس العشرة هؤلاء، ويقرأ:{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}[يس: ٩] فكانوا ينتظرون الرسول -عليه الصلاة والسلام -يخرج، فخرج من بينهم، ولم يشعروا به.
إذًا، صار مكر الله -عز وجل- أعظم من مكرهم؛ لأنه أنجى رسوله منهم وهاجر.
*قال هنا:{يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا}[الطارق: ١٥-١٦] والتنكير فيها للتعظيم، وكان كيد الله عز وجل أعظم من كيدهم.
وهكذا يكيد الله -عز وجل- لكل من انتصر لدينه، فإنه يكيد له ويؤيده، قال الله تعالى:{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}[يوسف: ٧٦] ،يعني: عملنا عملًا حصل به مقصوده دون أن يشعر به أحد.
وهذا من فضل الله -عز وجل- على المرء، أن يقيه شر خصمه على وجه الكيد والمكر على هذا الخصم الذي أراد الإيقاع به.