للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأدركوه وراسلوا نور الدين فأمدهم بجيوش ما سمعوا بخبرها حتى رأوا طلائع عسكرها، فلما سمع به الفرنج ارتحلوا لا يلوون على شيء، ودخل شيركوه القاهرة، وخلع عليه العاضد خِلَعًا سنية، وأضافه ضيافة تامة، وأقام له الأتراك، ونزل بظاهر القاهرة، ثم كان شاور يتردد إليه، فخرج إليه يومًا مسلمًا، فأوقع به صلاح الدين ومن معه، وقتل ابنه شجاع الملقب بالكامل (١)، وكان خيرًا من أبيه يأمره بالخير (٢) وأشار عليه ألا يستنجد بالفرنج فقال: دعني من رأيك فإنني أخاف أن لا أملك. فقال له: أن تهلك أنت وحدك خير من أن تهلك أهل مصر كلهم. وكذلك قتل ابنه الملقب بالمعظم. وأخوه فارس المسلمين، وطيف برؤوسهم على الرماح، وخلع على شيركوه بالوزارة في سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة. وتوفي يوم الأحد الثالث والعشرين من رجب، ثم وزر بعده صلاح الدين يوسف، تم قطع خطبة العاضد وخطب للمستضيء ولم يعش العاضد بعدها إلا أيامًا يسيرة (٣) ثم مات، ومشى صلاح الدين وعليه طيلسان وعمامة في الجنازة، وقعد للعزاء، وبكى بكاء لم يشف به الحزازة، فإنه ندم على ما كان من خلع رداء تلك الدولة خوفًا من نور الدين لا يقصده، ويطلب ما يحتج به فلا يجد ما كان يجد بالعبيديين من الحجة في ملاواته، والتستر بهم من سهام مناوراته، ثم كان يقول: لو علمت بسرعة أجله ما روعته بالخلع، واختلف في موته، فقيل إنه علم بالخلع فسم نفسه، والجمهور على أنه كان عليلًا واخفي عنه الخلع ومات حتف أنفه، وأخذ أهل القصر، وحبسوا وفرق بين الرجال والنساء قطعًا لنسبهم واجتثاثًا لشجرتهم الخبيثة من أهلهم، وكانت مدة ملكهم منذ فتحوا مصر إلى أن خلع العاضد مائتين وخمسة عشر سنة، وكان صلاح الدين يشكر العاضد، ويصف كرمه ويقول: استمددته بمال لسداد دمياط فأمدني بألف ألف دينار من العين والعروض، وكان لا يزال يتذكره ويتندم على فعله حيث لا يمكنه استدراك الفارط، ولا يقدر على استرجاع الفائت، ومرّ عمارة بالقصر فرآه خاوي الأركان، خالي الأقطار من السكان، وكان يعهده لسجود الحياة قبلا، ولعقود الشفاه ينظم قُبُلا، وتذكر سالف إحسانهم، ويبصر


(١) ابن سعيد ص ٩٦ وفيه: وأخذ ابني شاور الكامل والمعظم وأخاه فارس المسلمين، فقتلوا ودير برؤوسهم، وانظر نهاية الأرب ٢٨/ ٣٤٣ وفيه: ركن الإسلام.
(٢) إشارة إلى عزم شاور عن أن يصنع دعوة ويحضر أسد الدين وجماعة الأمراء الذين معه في داره ويقبض عليهم، فنهاه عن ذلك ابنه الكامل، وحلف أنه إن صمم على هذا الأمر عرف به شيركوه، فقال له أبوه: والله لئن لم تفعل هذا قتلنا عن آخرنا، فقال الكامل لأبيه: صدقت، ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج. انظر بقية الخبر في نهاية الأرب ٢٨/ ٣٤٢ واتعاظ الحنفا ٣/ ٣٠٠.
(٣) وردت العبارة في الأصل مضطربة بتكرار بعض الكلمات وأثبت ما رأيته صوابًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>